أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
110
التوحيد
وكل ذي آلة مئوفة ، ثم هو يعلم ارتفاع تلك الآفات والتمكين من الخلاف لتلك الأحوال ، ثبت أن القول بالضرورة في الجملة كذب . وزعم صنف أن طينة العالم كانت قديمة ، سميت هيولى ، معها قوة لم تزل بصفتها ، ولا طول لها ولا عرض ، ولا عمق ولا وزن ولا مساحة ولا لون ولا طعم ولا رائحة ، ولا لين ولا خشونة ولا حر ولا برد ولا بلة ، ولا حركة ولا سكون ، ولا شيء معها في أوليّتها من الأعراض ، سمّيت إذ ذاك هيولى ، وقلبت الهيولى القوة بطباع منها لا باختيار فحدثت هذه الأعراض ، فسمي جوهرا ، وهو جوهر واحد ، وهو جوهر العالم ، والافتراق والاتفاق إنما جاء من قبل الأعراض ، والأعراض لا توصف بالاختلاف والاتفاق ؛ لأنهما لا يكونان إلا بغيرهما ، والعرض لا يقوم بالعرض وإنما يقوم بالجوهر ، فاختلف به الجوهر واتفق . وذكر أرسطاطاليس « 1 » - وهو صاحب هذا القول في كتابه الذي سماه المنطق - عشرة أبواب : باب العين ، كقولك إنسان ، سميت عينه ، وباب المكان ، كقولك " أين " ، والصفة بقولك " كيف " ، والوقت " متى " ، والعدد ب " كم " ، والمضاف مما في ذكر الواحد ذكر الآخر ، كالأب والعبد والشريك ونحوه ، وذو ، كقولك : ذو شرف وذو أهل ونحو ذلك سموه باب الجدة ، والنصبة كالقيام والقعود ، والفاعل كقولك : أكل ونحوه ، والمفعول كقولك : مأكول ، لا يقدر أحد أن يذكر ما يخرج عن جملة ذلك . وزعموا في القوة إنها جاهلة تفعل بالطباع ، وليس بالهيولى حاجة إلى الأعراض . قال الفقيه رحمه اللّه : فمن تأمل ما صار هؤلاء إليه علم أنهم أوتوا ذلك لجهلهم نعم اللّه فعموا عن سبيل الرّشد فضلّوا ، ثم بعثتهم حيرة الضلال إلى الاستيناس بمثل
--> ( 1 ) أرسطو : هو أشهر فلاسفة اليونان الأقدمين . دعاه الفلاسفة عن جدارة بأمير الفلسفة وهو يعتبر مع هذا أكبر عقل ظهر في السابقين . ولد في أسطاغيرا من مقدونيا سنة ( 384 ) ق . م ، وتوفي سنة ( 322 ) ق . م . تعاطى في بدايته صناعة الطب طلبا للعيش وألف فيه كتابا اسمه الصحة والمرض ثم شخص إلى أثينا في عصر ازدهار الفلسفة وكان شيخها إذا ذاك أفلاطون فالتحق به نحوا من عشرين سنة ثم اعتزله فجأة ، فكان ذلك مسوغا لأعدائه الطعن عليه والنيل منه ، وزاد مطاعنهم أن فلسفته تباين فلسفة أستاذه من كل وجه وتنقضها حتى يخيل للناظر أن أرسطو تعمد نقض فلسفة أستاذه لغرض في نفسه . يلقب أرسطو بالمعلم الأول لأنه أول من وضع التعاليم المنطقية وقد كان مثله فيه مثل أبي الأسود الدؤلي في وضع علم النحو وقد وضعه موجزا مجملا فشرحه المتأخرون وقوموه . أما كتبه في الإلهيات والطبيعيات فكثيرة معروفة وقد تولاها كثير من تلاميذه بالشرح والتفصيل وأحسن من شرحها منهم مذهبا ( ثامسطيوس ) الذي اعتمده الشيخ الرئيس علي بن سينا .